أحسن الظن..وما كان ربك نسيًّا

لمياء جوهري
في كهف مظلم لا ينفذ إليه إلا بصيص ضئيل من الضوء يتسلل من فجوة لا يكاد يدخل ويخرج منها غير فأر هزيل رث القوام.
كان سام في كهفه يظن أنه ينعم بالحياة، رغم غباشة المكان وظلمته الموحشة؛ ما كان يؤنسه سوى جدار يسد فواهة الكهف.
كلما تسلل الضوء الهارب من تلك الفجوة حمل بيديه حجارة وظل يرسم ويخط أشياء تغمره سعادة, كل انتظاراته كانت حول بزوغ الشمس خلف الكهف, حتى يتسى له ممارسة ما كان يظنه _ سر وجوده_ لم يتساءل يوما كيف يجد حلا للخروج من سجنه الكهفي, آلف حياته, واعتاد على نمط عيشه هكذا , نور منعدم ليلا, ونور شبه منعدم نهارا….
تتراقص إلى آذانه أصوات خارجية, مطر, ارتطام موج, هدير شلال, وحفيف شجر, ونعيق غراب, وعويل ذئب… ولا مرة هزه شوق معرفة سر هذه الأصوات , أو شغف فضولي لاكتشافها…
آنس واستسلم لعزلته, وحيدا يقتات على الحشرات وما يجود به الكهف من كائنات لا تؤكل…
في إحدى الليالي هز الجبل زلزال قوي, هدم أجزاء من الجبل بما فيه جدار الكهف الذي كان يحجب الرؤية عن سام, اقشعر بدن سام خوفا وقلقلا وهو يشاهد الجدار يتهدم أمام ناظريه، بقي مشدوها للحدث، يلعن الحياة ويبكي وينوح, ” ضاع سر وجودي, جداري الوحيد الذي هو ملاد أحلامي وكل حياتي ، تحطم، آه لقساوة العيش، كيف سأستمر في الحياة, وقد فقدت كل ما كنت أملكه بين يدي، ضاعت كل مقاوماتي للاستمرار نحو الأبدي من عمري الفاني…
ولأن الظلمة حالكة في ذاك الليل البهيم، لم يلحظ سام ما خلف الحجارة المهدومة، وجافاه النوم فغط في سبات عميق والحزن يعصر قلبه، والأسى يشردم تفكيره، والسؤال الفلسفي يراوده: ” هل سأستطيع البقاء على قيد الحياة بعد هذا الخراب!!”.
فجرا فتح سام عينيه بصعوبة كبيرة، لشدة السطوع الشمسي، لم يدرك للوهلة الأولى ما يحدث؟ قاوم وقاوم إلى أن تمكن من فتح عينيه جيدا، اندهش أيما اندهاش حين لمح كمية النور المتدفقة نحوه من شروق الشمس، ابتسم وقام من مكانه مهرولا نحو الفتحة المهدومة، وقف على الحجارة متعجبا للمنظر الساحر، زرقة السماء التي تزينها أسراب الطيور المهاجرة، وصفاء البحر، وقوس قزح المرسوم حول الشلال، وكثافة الأشجار المخضرة تتطاير أغصانها يمينا ويسارا في رقصة صباحية مع الطيور المغردة.
لم يصدق ما تراه عيناه من سحر أخاذ، وهو من ظن ليلا أنه هلك في المأساة، وأنه أصبح في الدرك الأسفل من التراجيديا الإلهية، ليدرك مع الفجر أن كل انتكاسة هي انتصار خفي يحيكه الله من الأسباب…
إن تحطم الجدار وتألم سام، خلفهما سبب لبزوغ فجر السعادة الحقيقية…
ما نظنه نقمة وألما جهلا بأسباب الله، يتحول إلى نعمة ولذة بألطاف الله أيضا…
لا نجلس القرفساء نتحسر على ما ضاع لنا، فلا ندري كل الأشياء حولنا لنعلم ما سر وجودنا من فنائها…
أحيانا يجب هدم ما يعيقنا ويتركنا ندور في قوقعة فارغة دون سر الوجود، حتى لو كنا متشبتين به ، فمن يدري قد نقوي قبضتنا على سجننا الأبدي دون الخروج وتجاوز الحصار نحو التحرر واكتشاف الحياة الأخرى….
