المشهد تيفي قناة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

يوسف محضر: الصيام يعزز الصحة النفسية لكنه قد يشكل تحديًا للبعض

حاورته: دنيا بنلعم

يُعدّ الصيام تجربة متكاملة تجمع بين الجوانب الروحية، الصحية، والنفسية، حيث يسهم في تعزيز التوازن الذهني والانضباط السلوكي. ومع ذلك، تختلف تأثيراته من شخص لآخر تبعًا لعوامل عدة، منها الاستعداد النفسي والوضعية الصحية العامة. في هذا الحوار، يسلط الباحث في علم النفس المرضي الإكلينيكي والعلاجات النفسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، يوسف محضر، الضوء على تأثير الصيام على الصحة النفسية، فوائده، والتحديات التي قد تواجه البعض.

كيف يؤثر الصيام على الحالة النفسية للأفراد من الناحية العلمية؟

يؤكد يوسف محضر أن الصيام، خاصة خلال شهر رمضان، يؤدي إلى تغييرات فسيولوجية وعصبية تؤثر على الوضعية النفسية للأفراد. فهو يسهم في تعديل مستويات الهرمونات والناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين، مما يساعد في تحسين المزاج وتعزيز الشعور بالراحة النفسية.

وأضاف أن الصيام يحفز الجسم على استخدام الكيتونات كمصدر بديل للطاقة، وهو ما يعزز الأداء الذهني ويقلل من التقلبات المزاجية. كما أشار إلى أن الصيام يزيد من مستويات عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ (BDNF)، وهو عنصر مهم في تحسين وظائف الدماغ وتعزيز المرونة العصبية، مما ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية.

ما العلاقة بين الصيام وتحسين المزاج والحد من اضطرابات القلق والاكتئاب؟

يرى محضر أن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تجربة نفسية وتأملية تعزز الوعي الذاتي، ما يساعد الأفراد على فهم أفكارهم وسلوكياتهم بشكل أعمق. ويساعد هذا الوعي في التحكم بالمشاعر والانفعالات، مما يقلل من أعراض القلق والاكتئاب.

كما أشار إلى أن الصيام يعزز الشعور بالإنجاز والانضباط الذاتي، مما يرفع من مستوى الثقة بالنفس وتقدير الذات. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأجواء الاجتماعية لشهر رمضان، مثل التجمعات العائلية والطقوس الدينية، توفر دعمًا نفسيًا مهمًا يساهم في التخفيف من الشعور بالوحدة والاكتئاب.

هل هناك توصيات طبية ونفسية للأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب أو اضطراب القلق أثناء الصيام؟

ينصح محضر الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية باستشارة الطبيب أو المعالج النفسي قبل الشروع في الصيام، خاصة إذا كانوا يتناولون أدوية تحتاج إلى جدول زمني منتظم.

وأكد على أهمية الحفاظ على نظام غذائي متوازن، مع التركيز على تناول أطعمة غنية بأحماض أوميغا-3، المغنيسيوم، وفيتامين B6، لما لها من تأثير مباشر في تحسين المزاج وتقليل مستويات التوتر.

كما شدد على ضرورة تنظيم النوم وتجنب السهر المفرط، إلى جانب ممارسة تقنيات الاسترخاء مثل التأمل واليقظة الذهنية التي تساعد في تخفيف القلق وتحقيق السلام الداخلي.

هل يمكن أن يؤدي الصيام إلى زيادة التوتر والعصبية لدى بعض الأشخاص؟

يؤكد محضر أن الصيام قد يكون تحديًا نفسيًا للبعض، خاصة أولئك الذين يعتمدون على المنبهات مثل الكافيين أو النيكوتين، حيث قد يؤدي الامتناع المفاجئ عن هذه المواد إلى أعراض انسحابية مثل العصبية، التوتر، وصعوبة التركيز.

كما أوضح أن انخفاض مستوى الجلوكوز في الدم يمكن أن يؤثر على سرعة التفكير والتركيز، مما يزيد من الشعور بالتوتر والانفعال. لكنه أشار إلى أن الأفراد الذين يعتمدون آليات فعالة في إدارة الضغط النفسي، مثل التنفس العميق، ممارسة الرياضة الخفيفة، والتأمل، يكونون أكثر قدرة على التكيف مع التحديات النفسية للصيام.

هل يمكن للصيام أن يكون وسيلة علاجية لبعض الاضطرابات النفسية مثل الإدمان أو اضطرابات الأكل؟

يقول محضر إن الصيام يمكن أن يلعب دورًا في علاج الإدمان، حيث يساعد في تعزيز التحكم في الذات وتأجيل الإشباع الفوري، وهي مهارات أساسية في العلاج السلوكي المعرفي المستخدم لعلاج الإدمان.

أما بالنسبة لاضطرابات الأكل، فأوضح أن الصيام قد يكون مفيدًا للأشخاص الذين يعانون من الأكل العاطفي أو نوبات الشراهة، إذ يساعد في تحسين تنظيم المشاعر وتقليل مستويات التوتر. ومع ذلك، حذر من أن الصيام قد يكون خطيرًا على المصابين بفقدان الشهية العصبي أو الشره المرضي، لأنه قد يعزز لديهم أنماط التفكير القهرية المرتبطة بتقييد الطعام.

هل هناك دراسات علمية حديثة تثبت تأثير الصيام الإيجابي على الصحة النفسية؟

أشار محضر إلى أن الدراسات العلمية الحديثة تدعم الفوائد النفسية والعصبية للصيام. واستشهد بدراسة نُشرت عام 2019 في مجلة The New England Journal of Medicine، والتي أظهرت أن الصيام المتقطع يحسن وظائف الدماغ ويحمي من الأمراض العصبية.

كما ذكر دراسة حديثة نُشرت عام 2021 في مجلة Molecular Psychiatry، والتي أكدت أن الصيام يعزز الذاكرة طويلة الأمد، يحفز تكوين الخلايا العصبية، وينشط تعبير جين طول العمر (Klotho)، مما يشير إلى تأثيره الإيجابي في تعزيز القدرات المعرفية والوقاية من التدهور العصبي.

هل للصيام دور في تعزيز القدرة على التحمل النفسي وضبط النفس؟

أكد محضر أن الصيام يُعتبر تدريبًا إراديًا على ضبط النفس وتحمل الضغوط، حيث يتطلب التحكم في الرغبات الغريزية مثل الجوع والعطش. وبيّن أن هذه الممارسة تساعد في تقوية موارد ضبط النفس، لافتًا إلى أن الأشخاص الذين يواجهون الصيام كتحدٍّ إيجابي يلاحظون تحسنًا في قدرتهم على مقاومة المؤثرات الخارجية وإدارة انفعالاتهم بشكل أكثر فاعلية.

كما أشار إلى أن الصيام يساعد في تعزيز المرونة النفسية عبر تحسين قدرة الدماغ على التكيف مع التحديات المختلفة، مما يحسن الأداء الذهني ويزيد من القدرة على التعامل مع الضغوط اليومية.

ختامًا، ما الذي يجب أخذه بعين الاعتبار لتحقيق أقصى استفادة نفسية من الصيام؟

اختتم يوسف محضر حديثه بالتأكيد على أن الصيام تجربة فردية تتأثر بعدة عوامل، منها الاستعداد النفسي، التاريخ الصحي، والدعم الاجتماعي. وأوضح أن تحقيق الفوائد النفسية للصيام يتطلب تبني نهج متوازن والاستعداد الجيد، مع الحرص على استشارة المختصين عند الحاجة.

وفي النهاية، يظل الصيام تجربة روحية ذات أبعاد نفسية عميقة، كونه فرصة لتنمية مهارات ضبط النفس، تحسين الصحة العقلية، وتعزيز المرونة النفسية، ما يجعله تجربة فريدة تستحق الاستفادة منها بأفضل شكل ممكن.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...