المشهد تيفي قناة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

ملف القاصرات بقرية با محمد: بين سندان اللغو ومطرقة القانون

المشهدTVأشرف بغداد / فاس

 

أثارت قضية توقيف شبكة يشتبه في تورطها في استغلال قاصرات في الفساد بقرية با محمد موجة واسعة من النقاش والتفاعل، امتدت من وسائل الإعلام إلى منصات التواصل الاجتماعي. وبين من يسارع إلى إصدار الأحكام المسبقة، ومن ينسج الروايات والتفاصيل قبل اكتمال التحقيقات، تبرز الحاجة إلى صوت العقل واحترام المؤسسات والمساطر القانونية.

اليوم، توجد القضية بين يدي الشرطة القضائية والنيابة العامة المختصة، وهي جهات تمتلك من المعطيات والوسائل ما لا يتوفر للرأي العام ولا للمتابعين. كما أن سرية البحث ليست امتيازاً ممنوحاً للمحققين، بل ضمانة قانونية تهدف إلى حماية حقوق الضحايا والشهود، والحفاظ على سلامة التحقيق، وضمان الوصول إلى الحقيقة بعيداً عن الضغوط والتأثيرات الخارجية.

وفي خضم هذا الجدل، لا يعني احترام سرية البحث تقييد دور الصحافة أو مصادرة حقها في التتبع والاستقصاء. فالصحافة المهنية مسؤولة عن مواكبة الأحداث وكشف الحقائق والتواصل مع مختلف المصادر، كما أن لها كامل الحق في نشر الأخبار والمعطيات الموثوقة والمؤكدة. غير أن هذا الحق يقابله واجب مهني وأخلاقي يتمثل في التحقق من المعلومات، واحترام قرينة البراءة، وتجنب التشهير أو استباق نتائج التحقيقات الجارية.

إن المجتمع يحتاج إلى صحافة مسؤولة لا إلى محاكمات افتراضية، ويحتاج إلى حقائق مثبتة لا إلى إشاعات متداولة. فبعض الأصوات تبني مواقفها على معطيات غير مكتملة، وأخرى تقدم استنتاجات نهائية بينما لا تزال خيوط القضية قيد البحث والتحري. وهنا يكمن الفرق بين العمل الصحفي الرصين وبين صناعة الإثارة التي قد تضر بالضحايا وبسير العدالة معاً.

وفي المقابل، يبقى من حق المجتمع، بل من واجبه، أن يطالب بالحقيقة كاملة. ومن حق القاصرات وعائلاتهن أن ينلن الحماية والدعم والإنصاف، وأن تتم مساءلة كل من يثبت تورطه في أي فعل يمس بكرامتهن أو يستغل هشاشتهن. كما أن المطالبة بتطبيق القانون وإنزال أقصى العقوبات في حق الجناة، إذا ثبتت إدانتهم بحكم قضائي، تمثل موقفاً مشروعاً ينسجم مع حماية الطفولة وصون القيم الإنسانية.

إن قرية با محمد ليست متهمة، وساكنتها ليست موضوع محاكمة جماعية. فالأفراد يحاسبون على أفعالهم، أما المدن والقرى فتبقى أكبر من أن تختزل في واقعة أو ملف مهما كانت خطورته. لذلك فإن الإنصاف يقتضي عدم تحويل قضية جنائية إلى وصمة تلحق بمنطقة بأكملها أو بسكانها.

وبين سندان اللغو ومطرقة القانون، يبقى الطريق الأسلم هو الاحتكام إلى المؤسسات، وانتظار ما ستسفر عنه التحقيقات والبلاغات الرسمية، مع الاستمرار في الدفاع عن حقوق الضحايا ومساندة جهود العدالة.

فالحقيقة لا تُبنى على الشائعات، والعدالة لا تتحقق بالصراخ، وإنما بالتحقيق الجاد، والصحافة المسؤولة، والقضاء المستقل.

وعندما تنطق المؤسسات المختصة بكلمتها، سيكون لكل حادث حديث، أما اليوم فالأولوية للحقيقة، ولحقوق القاصرات، ولسيادة القانون.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...