الإعلام وصناعة النجوم.. بين الحقيقة والوهم

المشهدTV – رضوان عريف
لطالما لعب الإعلام دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه الرأي العام، ولكن مع ظهور موجة جديدة من البرامج التلفزيونية والقنوات الرقمية، بات الإعلام يبرز شخصيات لا تمتلك بالضرورة موهبة أو قيمة مضافة للمجتمع. بدلاً من تسليط الضوء على العلماء والمفكرين والفنانين الحقيقيين، يتم الترويج لشخصيات هامشية تافهة، ليصبحوا بين ليلة وضحاها “نجومًا” يصنعون التاريخ والمجد، أو هكذا يُخيل للجماهير.
في هذا السياق، يمكن القول إننا نعيش في عصر “العاهات الإعلامية”، حيث يتم جلب أشخاص من الهامش، ليس بسبب قدراتهم أو إنجازاتهم، بل بسبب مظاهرهم الغريبة، تصرفاتهم المستفزة، أو حتى قدرتهم على إثارة الجدل والرأي العام. وبمساعدة مجموعة من البرامج والقنوات، يتم تضخيم هذه الشخصيات حتى تصبح حديث الناس، في حين يغيب عن الساحة من يستحقون فعلاً التقدير.
تقوم هذه الوسائل الإعلامية بإعادة تدوير هؤلاء الأفراد عبر إستضافتهم في مختلف البرامج والمنابر الإعلامية. يتم الترويج لهم كأيقونات للنجاح والشهرة، ويتم إلباسهم أدوارًا أكبر من حجمهم، حتى يكاد المجتمع يقتنع بأنهم يصنعون المجد، بينما هم في الحقيقة مجرد أدوات لزيادة نسب المشاهدة وجذب الإعلانات. الإعلام في هذه الحالة يصبح مروجًا للأوهام بدل أن يكون جسرًا للحقيقة والمعرفة.
ما يميز هذه الشخصيات أنها في غالب الأحيان لا تمتلك أي إنجازات حقيقية، ولا تضيف شيئًا يُذكر للحوار الثقافي أو الإجتماعي. يتم تسليط الضوء على حياتهم الشخصية، مشاكلهم التافهة، وأحيانًا حتى فضائحهم، لجذب الإنتباه والتفاعل. يُستخدم هؤلاء كوسيلة لصناعة محتوى سريع ودرامي يخدم مصالح القنوات والمؤسسات الإعلامية، دون أدنى إعتبار لتأثير هذه الشخصيات على الوعي الجماعي أو المجتمع ككل.
الخلل لا يكمن فقط في الشخصيات ذاتها، بل في الإعلام الذي يروج لها، والجمهور الذي يستقبلها. الإعلام أصبح أداة ترفيهية، لا تهتم بنقل الحقائق بقدر ما تهتم بإثارة الجدل وخلق فقاعات إعلامية تجذب الأنظار. ومع تزايد المنافسة بين القنوات والبرامج، أصبحت الأولوية لجذب أكبر عدد من المشاهدين، حتى لو كان الثمن هو ترويج التفاهة.
يبقى الحل في إعادة النظر في دور الإعلام ومسؤوليته تجاه المجتمع. الإعلام يجب أن يكون نافذة للعالم الحقيقي، يبرز الشخصيات التي تساهم في تطوير البشرية، والتي تقدم شيئًا ذا قيمة. يجب أن يكون هناك وعي جماعي بضرورة مقاطعة تلك البرامج والشخصيات التي لا تضيف شيئًا إلى حياتنا، والتي تساهم فقط في ترويج الجهل والتفاهة.
في النهاية، لا يمكننا أن نتجاهل تأثير الإعلام على تشكيل وعي المجتمعات. لكن الإعلام ليس وحده المسؤول، فالجمهور أيضًا يتحمل جزءًا من المسؤولية. علينا أن نكون أكثر وعيًا وإنتقائية فيما نستهلكه إعلاميًا، وأن ندرك أن من يُصنعون أمامنا على الشاشات ليسوا بالضرورة أبطالًا أو نجومًا، بل هم في كثير من الأحيان مجرد أدوات في لعبة إعلامية أكبر.
