المشهد تيفي قناة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

ربورتاج/ متزوجات ومطلقات مستاءات وغاضبات.. متى ترفع مدونة الأسرة الحيف عن النساء المغربيات؟

المشهد TVأمين أصيام

تقف خديجة، وهو اسم مستعار لسيدة مغربية، أمام مدخل المدرسة الابتدائية الرئيسي، تنتظر خروج ابنها البالغ من العمر عشر سنوات لتقله إلى البيت الذي بات يبعد عشرة كيلومترات عن مقر سكناهما الجديد.
تبدو عليها علامات الاستياء وهي تحكي لإحدى الأمهات معاناتها اليومية منذ بداية الفصل الدراسي الجديد في التنقل مرتين في اليوم رفقة طفلها من القنيطرة المدينة إلى “أبي القنادل”، بعدما باءت محاولاتها في الحصول على رخصة انتقال مدرسية بالفشل.

“استياء وتذمّر ثم استسلام”
ما الذي تخفيه قصة خديجة؟ تحكي المرأة الثلاثينية، بحنق، “غادرتُ هذه المنطقة اضطرارا بغرض العمل خلال العطلة الصيفية وكلي أمل في الحصول على انتقال لابني إلى مدرسة بالمنطقة الجديدة بمجرد انطلاق الموسم الدراسي الحالي، لكن الأمر أعقد مما يبدو عليه.

تطلَّقت خديجة، المنحدرة من مدينة آسفي، قبل سنتين ونصف بينما غادر طليقها ووالد طفلها جماعة سيدي أبي القنادل صوب الشمال واستقر هناك بعد زواجه. راسلت الأم والد طفلها بشأن دراسته، بعدما اتضح أن حضورها لوحدها لا يمثل بالنسبة للسلطات المعنية شيئا دون وجود الأب، لكنه عبَّر عن عدم استطاعته السفر لظروف ترتبط بعمله، فأُجبرت خديجة وابنها على قضاء ما يقارب ساعتين ونصف يوميا بين وسيلتي نقل إلى المدرسة ذهابا وإيابا.

“رفضت التعدد فهدّدني بالحرمان”
قصة ليلى، وهي أم لثلاث بنات، لا تخفي حجم الاستياء والغضب بعدما رفضت منح زوجها موافقة كتابية للزواج بثانية، فقوبلت هي وطفلاتها بالطرد من البيت. لحسن حظها، لاقت دعما من أخيها الأصغر المعيل الوحيد لوالديها، الذي لم يتردد في إيوائها. تقول “رفضي التوقيع على الموافقة أو طلبي الطلاق سيان فالنتيجة واحدة، لقد هددني زوجي بحرماني وبناتي من النفقة”.
كما تسرد ليلى، فعدم موافقتها زوجها في التعدد أخذ منحى تصاعديا، إذ هدّدها بتنصله من واجباته المالية تجاه الأطفال، وهو ما حدث بالفعل. تستطرد حديثها: “أجبرت البنات على مغادرة مدرستهن الخاصة وسجلتهن بمدرسة عمومية بعدما توقف عن منحي المال لشراء حاجياتهن من ملبس ومأكل فطلبت المساعدة من أخي”.

أم عازبة تسأل: “من يُثبت أبوة ابني؟”
بين مطرقة المجتمع وسندان الأمومة، تعيش نادية، وهي أم عازبة، رفقة والدتها التي أبت التخلي عنها وغادرت بصحبتها صوب مدينة الحاجب للتحرر من ملام المحيط لهما، لإنجابها طفلا غير شرعي، بحسب وصفهم.
بدأت معاناة نادية قبل ثلاث سنوات بعد أن اكتشفت حملها. ولاستحالة القيام بعملية توقيف إرادي للحمل، احتفظت به ساعية إلى حصد اعتراف الأب بالرضيع. قوبل إلحاح الشابة العشرينية على انتزاع نسب ابنها بالنكران من طرف الأب. تقول: “في بداية حملي، أمطرني والد ابني بالحجج والأعذار محاولا إقناعي بصعوبة ظروفه التي تحول دون تحقيق ذلك الزواج. لكنه وعدني على الأقل بتسجيل الابن في سجل الحالة المدنية بمجرد ولادته وسرعان ما انقلب على حاله بعد أن وضعت الطفل”.
توجهت نادية عدة مرات نحو مراكز مختصة في أعمال الخبرة الجينية للقيام باختبار الأبوة كي تضع حدا لاتهامات أسرة والد الطفل التي دخلت على الخط. لكنها صدمت بشروط تعجيزية من قبل المؤسسات التي تلزمها بإحضار والد الطفل وعقد لإثبات الزواج قصد تحقيق مطلبها.

تتساءل نادية، متذمرة: “لو كنت متزوجة من والد طفلي، وبدون مشاكل بيننا، فما الحاجة لتحليل إثبات النسب؟”.

زواج قاصر بالإكراه.. محنة مزدوجة!
حلم استكمال الدراسة وولوج مهنة المحاماة تبدّد بقرار اتخذه والد سعاد، البالغة من العمر 24 سنة، بعد أن قرر تزويجها قسرا وهي ابنة 14 سنة برجل مقيم بالولايات المتحدة الأمريكية. تحكي، بأسى وندم، “كنت ذات يوم رفقة والدتي في زيارة لعمتي التي تقطن قريبا منا فصادفت ابن جارتها، وبعد مغادرتنا مساء ذلك اليوم، فوجئت باتصال من عمتي تخبر فيه والدي بأن الشاب يريد التقدم لخطبتي قبل أن يسافر عائدا إلى بلد إقامته”.

تصف سعاد شعورها وقتئذ بأنه كان مزيجا بين الهلع والحزن لإدراكها الجيد بأن والدها، ذلك الرجل التقليدي الصارم الذي كان يتمنى إرسال أخيها إلى إحدى البلدان الأوروبية، لن يضيع فرصة كهذه. تحكي “لم أكن تلميذة مجدة، لكن كان لدي طموح وتصورعن أهدافي والمجال الذي يمكن أن أبرع فيه بعد إنهاء دراستي، ومع الأسف كان لوالدي رأي آخر”.

توقفت سعاد عن الدراسة مباشرة بعد خطبتها التي دامت سنتين، وبمجرد بلوغها سن السادسة عشر زوّجها والدها. كان الأمل رفيقها طيلة تلك المرحلة لربما تحدث معجزة، حسب تعبيرها، تدفع والدها لتغيير رأيه، لكن الأمل تبدد بمجرد التحاقها ببيت الزوجية ووضعها لطفلها الأول بعد حوالي سنة ونصف.

تضيف “التحقت بزوجي في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن بلغت طفلتي سنتين ونصف، وبمرور السنوات، وجدت نفسي أُما لثلاثة أطفال في بداية عقدي الثاني بينما معظم صديقاتي يكملن دراستهن بسلك الماجستير ومنهن من اشتغلت بعد حصولها على شهادة الإجازة”.

طلاق بدون نفقة
تستيقظ رحمة ذات الستة وثلاثين سنة على الساعة الخامسة صباحا قصد الالتحاق بإحدى المقاهي لتحضير لوازم وجبة الفطور للزبناء.

تشتغل، منذ أزيد من خمس سنوات، طباخة صباحا ومنظفة للمنازل بعد انتهاء ورديتها زوالا منذ أزيد من خمس سنوات. تقول “أجد صعوبة في التوفيق بين الوظيفتين كوني أحتاج التنقل بواسطة الحافلة التي غالبا ما تتأخر عن موعدها من المقهى إلى زبوناتي، لكن الظروف أجبرتني على التعود”.

تكتري رحمة رفقة ابنها، الذي يبلغ عشرة سنوات، غرفة مشتركة مع الجيران سعيا منها لتوفير المال للإنفاق على ابنها كريم، وهو اسم مستعار، الذي تنَصّل الأب من أداء نفقته بعد الطلاق قبل ستة سنوات.

تضيف: “استمر تهرب زوجي من أداء النفقة ندا لي وكان الطفل هو الضحية”. تغير مستوى عيش كريم بعدما تطلق والداه فقد انتقل من بيت كريم إلى غرفة صغيرة ولم يعد يقضي وقتا كافيا مع والدته بسبب عملها. تقول إنه يتحمل مسؤولية أكبر منه، فقد عوَّدته أن يرتدي ملابسه لوحده ويتناول فطوره ويقفل باب الغرفة ويذهب للمدرسة لوحده ويقوم بنفس العملية بعد عودته.

تقول رحمة، وهي تجهش بالبكاء، “أنا أتألم حقا لأنني أرى ابني مرتين في اليوم فقط قبل أن أغادر صباحا وهو نائم وليلا حوالي ساعتين نتناول أثناءها وجبة العشاء وأخمده إلى النوم”.

مدونة الأسرة.. الاختلالات والإشكاليات!
بصمت سنة 2004 نضالات الحركة النسائية الحقوقية، فهي التاريخ الذي وضعت من خلاله السلطة التشريعية بقيادة جلالة الملك محمد السادس حدّا للتسيب والفوضى الذي كانت تعيشه مؤسسة الزواج ونتج عنه ضحايا أبرزهم من الأطفال والنساء. اعتبرت المدونة آنذاك من أبرز التحولات والإصلاحات التي شهدها المجتمع المغربي، إذ تضمنت بنودا جديدة تمت المصادقة عليها من طرف البرلمان من أجل إعادة ترتيب وضعية الأسرة ككل.

وتتجلى أبرز هذه البنود، التي لم تكن مضمّنة في مدونة الأحوال الشخصية، في رفع سن الزواج إلى 18 عاما بالنسبة للزوجين، ووضع الطلاق تحت مراقبة القضاء، واستفادة المطلقة من الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية، وعدم زواج الرجل بثانية إلا بعد موافقة كتابية من الزوجة الأولى.

إلى جانب اعتبار الولاية حقا للمرأة الرشيدة تمارسه حسب اختيارها ومصلحتها وعدم إجبار المرأة على الزواج، وحق المرأة في تفويض أبيها أو أحد أقاربها والأخذ بعين الاعتبار الوضع الاجتماعي للطفل عند افتراق الأبوين سواء من حيث السكن أو مستوى العيش الذي كان عليه قبل الطلاق والاعتراف بنسب الطفل المولود في مرحلة الخطبة.

بعد ثمانية عشر سنة، أبان النص القانوني الذي اعتبر حين صدوره ثورة هادئة في مجال حماية حقوق النساء، وإقرارا لمبدأ المساواة بين الجنسين، عن مجموعة من التحديات والاختلالات التي ولدت من رحم الاعتقاد بأنها تنصف المرأة أكثر من الرجل، فتم الانحراف عن أهدافها الرئيسية والتهاون في التعامل مع بنودها بالشكل المطلوب خاصة من طرف بعض الإدارات التي كانت ترفض تفعيل المقتضيات واستغلت الثغرات لتقليص حقوق المرأة على حساب الرجل.

دعوة ملكية للنهوض بقضية المرأة
خصص جلالة الملك محمد السادس جزءا مهما من خطاب الذكرى 23 لتوليه العرش للحديث عن المكانة المهمة التي تحتلها المرأة في المجتمع المغربي والدور الكبير الذي تؤديه في مختلف المجالات والتي استطاعت أن تصبح حاضرة فيها بشكل أقوى بفضل إصدار مدونة الأسرة واعتماد دستور 2011 الذي أكد على مبدأ المناصفة بين الرجل والمرأة.

وقال الملك محمد السادس في خطابه: “إذا كانت مدونة الأسرة قد شكلت قفزة إلى الأمام، فإنها أصبحت غير كافية؛ لأن التجربة أبانت أن هناك عدة عوائق، تقف أمام استكمال هذه المسيرة، وتحول دون تحقيق أهدافها. ومن بينها عدم تطبيقها الصحيح، لأسباب سوسيولوجية متعددة، لاسيما أن فئة من الموظفين ورجال العدالة، مازالوا يعتقدون أن هذه المدونة خاصة بالنساء.”

وأضاف: “الواقع أن مدونة الأسرة، ليست مدونة للرجل، كما أنها ليست خاصة بالمرأة؛ وإنما هي مدونة للأسرة كلها. فالمدونة تقوم على التوازن، لأنها تعطي للمرأة حقوقها، وتعطي للرجل حقوقه، وتراعي مصلحة الأطفال”.

ودعا رئيس الدولة إلى ضرورة التزام الجميع، بالتطبيق الصحيح والكامل لمقتضياتها القانونية، وتجاوز الاختلالات والسلبيات التي أبانت عنها التجربة، ومراجعة بعض البنود، التي تم الانحراف بها عن أهدافها، إذا اقتضى الحال ذلك وفق ما تنص عليه الشريعة الإسلامية، وعبّر على ذلك بالقول “فإنني لن أحل ما حرم الله، ولن أحرم ما أحل الله، لاسيما في المسائل التي تؤطرها نصوص قرآنية قطعية”.

في الإطار نفسه، قال الملك: “نحرص أن يتم ذلك، في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية، وخصوصيات المجتمع المغربي، مع اعتماد الاعتدال والاجتهاد المنفتح، والتشاور والحوار، وإشراك جميع المؤسسات والفعاليات المعنية”، مشددا على تعميم محاكم الأسرة، على كل المناطق، وتمكينها من الموارد البشرية المؤهلة، ومن الوسائل المادية، الكفيلة بأداء مهامها على الوجه المطلوب معتبرا أن تقدم المغرب يبقى رهينا بمكانة المرأة، وبمشاركتها الفاعلة، في مختلف مجالات التنمية.

في هذا الإطار، قالت الباحثة في قضايا المرأة والإصلاح، زينبة بن حمو، في تصريح، إن “خطاب العرش لـ30 يوليوز 2022، فتح ورشا كبيرا يخص مدونة الأسرة التي دخلت حيز التنفيذ قبل 18 سنة”، مبرزة أن الملك قد أفرد في خطابه حيزا كبيرا للمدونة.

وفي تعليقها على دعوة الملك، اعتبرت الباحثة أنه آن الوقت لتكييف مدونة الأسرة مع القوانين الدولية التي يعمل بها المغرب، وارتقائها إلى مستوى دستور المملكة، مضيفة أنه “من غير المعقول العمل بمقتضيات المدونة التي كانت متأخرة عن الدستور الذي يتحدث عن المناصفة”.

“المدونة لا تساير وضعية المرأة المتقدمة”
“في زمن،ها في 2004، كانت المدونة إنجازا تاريخيا وقفزة نوعية وتقدما كبيرا مقارنة مع مدونة الأحوال الشخصية. لكن، الآن وللأسف، لم تعد تساير التقدم الذي عرفته وضعية المرأة، التي صارت أحسن من ذي قبل”، تقول بن حمو، التي تؤكد أن الحركة النسائية فتحت النقاش حول تعديل مدونة الأسرة وقدمت بشأن ذلك مقترحات وتوصيات، منذ سنوات، وبشكل مُلحّ، في السنوات الأخيرة.

بالنسبة إلى الباحثة، التي تركز اهتماماتها الأكاديمية البحثية حول الواقع الاجتماعي للمرأة المغربية وآثار المبادرات الإصلاحية، أن هناك تقدما على جميع الأصعدة، إذ يمكن الحديث عن التمكين السياسي للمرأة، على مستوى البرلمان وتغيير القوانين الانتخابية بما يحقق تمثيل النساء في مختلف الهياكل المنتخبة.

على المستوى الاقتصادي، تبرز الفاعلة الحقوقية أن هناك تمكينا نسائيا من خلال دعم الجمعيات والتعاونيات وتشجيع المقاولات النسائية. إلى جانب الحقل الديني الذي يعرف ولوج المرأة إلى مختلف المجالس الدينية، لافتة كذلك إلى المكاسب الاجتماعية والصحية التي عرفتها قضية المرأة، مشيدة في هذا الإطار بتحسن الصحة الإنجابية للنساء مقارنة بالماضي.

وبخصوص الإشكالات التي عرفتها مدونة الأسرة، تقول الباحثة إن المغرب انخرط بشكل جدي في أهداف الألفية الثالثة، لكن هناك تأخر على مستوى المدونة، مشددة في هذا السياق على واقع تزويج القاصرات الذي “يجب مراجعته بشكل ضروري، فلا يمكن في هذه المرحلة أن نسمح بتزويج طفلات”.

على مستوى آخر، تستنكر الباحثة تضمن مدونة الأسرة الولاية الشرعية على الأبناء من طرف الأب دون الأم، وتقول “من غير المعقول حرمان الأم خصوصا بعد ما وصلت إليه من مراكز متقدمة من “الولاية” الفعلية على الأبناء”، مشيرة كذلك إلى موضوع النفقة الذي “لا بد من الحسم فيه وتوفير الآليات القانونية الكفيلة بإجباء الزوج على النفقة على الأطفال”.

بالنسبة إليها، مراجعة مدونة الأسرة ليس مراجعة تنتصر للمرأة فقط، بل هي ضمان حق الأطفال، ولذلك ليس من المعقول أن تمنع الزوجة المطلقة من حضانة ابنها بمجرد زواجها فيما يسمح للزوج بإعادة الزواج بشكل حر وبدون قيد. وبخصوص موضوع الإرث وما يطرحه الشق المرتبط بالتعصيب من نقاش وسجال بين مختلف الديناميات الحقوقية، تقول الفاعلة الحقوقية إنه لابد من إلغاء التعصيب، معتبرة أنه من الحيف أن يستحوذ أشخاص ذكور على ممتلكات امرأة فقط لأنها لها بنات، وداعية إلى ضرورة الحسم في هذه النقطة.

وخلصت المتحدثة إلى أن المجتمع المغربي يعرف متغيرات كثيرة، وهو مستعد للمرور نحو الخطوة الأولى للإصلاحات القانونية لصالح الأسرة بحيث تضمن حقوق الأطفال وحقوق الزوجة والزوج كذلك.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...