المشهد تيفي قناة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

تراث فاس من جديد في نبش جديد.. وجوه وأعلام من التراث الإنساني

المشهدTV – محمد التهامي بنيس ‏

‏‏ ‏‎ ‎‏ ‏
كل ضائقته تزول مع تصفح الكتاب. زلاغ شاهده في المذياع ‏برامجه ثقافة وتفتح، الأستاذ محمد الإدريسي…

الابن الذكر البكر الوحيد بين أخواته البنات الثلاث . ولد الأستاذ العصامي المغامر . محمد ‏الإدريسي سنة 1941 بمدينة فاس في وسط محافظ مثقف ثقافة دينية ، حيث الوالد فقيه ‏يمتهن العدلية ، وكان بيته ملتقى العلماء ، يتوفر على خزانة زاخرة بالمخطوطات وأمهات ‏الكتب ، موضوعة رهن إشارة كل ذي مقصد علمي وفقهي ، وفي هذا الوسط عاش وتربى ‏محمد . قليل الاختلاط مع الرفاق ، ويحظى من الأب بعناية خاصة ، بدأت من تعليمه بالبيت ‏قبل أن يأخذه صحبته إلى حلقات دروس القرويين ، ومنها إلى المسيد عند الفقيه السي بوشتى ‏، ولم يطق هذا الفضاء فألحقه والده بالمدرسة الحسنية ولم يمكث فيها سوى أيام ، لكنه استقر ‏في مدرسة الحركة الوطنية ابن عبد الله أو مدرسة الأميرة عائشة فيما بعد . وحرص والده ‏موازاة مع ذلك على تحفيظه المتون وقواعد النحو وإتقان القراءة في فضاء البيت ، إلى أن ‏حصل المغرب على الاستقلال فخول له مستواه المعرفي أن يلتحق بثانوية شراردة التابعة ‏للقرويين ، وكان يصطدم مع بعض الأساتذة على اعتبار أن ما يذخره من معارف أوفر مما ‏يتلقاه ، فغادر المؤسسة بمستوى الثانية ثانوي ، في الوقت الذي كانت الإذاعة تبحث عن ‏موظفين مكونين تكوينا عربيا متينا ، وأسند مديرها المهدي المنجرة مهمة اختيار كفاءات من ‏طلبة القرويين ، للإذاعي أحمد ريان وكان من بين الممتحنين الذين وقع عليهم الاختيار . أحمد ‏الأزمي ومحمد الإدريسي وهو في سن 16 من عمره ، وذلك سنة 1960 فكلف بخزانة ‏الإذاعة الوطنية بالرباط بادئا تجربته الإعلامية فيها بتلخيص الكتب حتى إذا طلب أحدهم كتابا ‏زوده بملخصه الدقيق حفاظا على الكتب من الضياع ، وأعجب أغلبية رواد المكتبة بالفكرة ، ‏وفي هذه الأجواء كون صداقات وعاشر فعاليات ثقافية من أمثال عبد الجبار السحيمي وعبد ‏الرفيع جواهري وعلي الحداني ، ثم المرحوم الرفاعي ، فمكنه هذا الاحتكاك من الاقتدار ‏والطموح إلى إصدار مجلة ” الطريق ” رفقة أديب السلاوي . لكنها لم تعمر طويلا بفعل ‏المضايقات ونشر مقالات جريئة أيام وزير الداخلية يومها أوفقير ، فتقرر اعتقال الإدريسي ‏لولا أن كان خطأ في العنوان ، حيث اعتقل بفاس إدريسي آخر وأطلق سراحه بعد اكتشاف ‏الخطأ ، لتتحول عقوبة الاعتقال إلى إبعاده من إذاعة الرباط فقيل إنه نفي منها إلى إذاعة فاس ‏الجهوية

وفي ‏إذاعة فاس نشط أفضل ، والتقى بزميله الراحل أحمد الأزمي الشاعر الزجال الذي تعرض ‏لمثل تلك المضايقات في إذاعة الرباط وأودت به إلى الاعتقال ثم تحول الاعتقال إلى نفي ‏لإذاعة فاس كذلك ، وعاشت الإذاعة الجهوية عصرها الذهبي بإنتاج برامج متميزة ثقافية ‏ورياضية واجتماعية على عهد مديرها العابد السودي القرشي ، وكان منها للإدريسي برنامج ‏إذاعي ثقافي يذاع وطنيا وجهويا بعنوان ” وحرر بفاس ” حيث يعمل على تقديم كتاب أو ‏تحليله بصوته المتميز وعربيته الفصيحة ، وإذا استقبل أديبا أو موسيقيا أو سياسيا أو رياضيا ‏وطلب منه الاطلاع على الأسئلة مسبقا يرفض ذلك ، وقد يحرج الضيف على الأثير ، فكان ‏كثيرهم يتحاشون المشاركة في برنامجه

‏يقول كثير ممن عرفوه أنه كان ضد نفسه ، لأن آخر ما يفكر فيه هو شخصه وحاجياته ‘ فإذا ‏كان بيده كتاب فلا أكل ولا شرب ولا كلام . وإذا أبرم عقدا لا يكترث لبنوده ، وكم كان ‏ضحية ليونة مواقفه ، ويذكرون عنه أنه حول معمل لصناعة الذهب . إلى فضاء كتاب من ‏ذهب يوم إنشائه مكتبة الفكر الرائد شراكة مع أستاذين سوريين ، متخليا عن مكتبة صغيرة ‏قبالة مقر الإذاعة بفاس التي لم تدم سوى سنة كان قد اختار لها اسم ” مكتبة الفكر المعاصر ” ‏سنة 1969 أظهر له الشريكان تفضيله على نقسهما بأن يكون صاحب حق صرف وإصدار ‏الشيكات في معاملات اقتناء الكتب النفيسة ، وبخلفية الغدر أوقعاه في إصدار شيكات بدون ‏رصيد ، فتحمل عبء الأداء بل وتم اعتقاله لتتحرك الأسرة وبعض الأصدقاء لإخراجه من ‏ورطته ، وصودرت المكتبة . لكنه استفاد من هذه الواقعة بالاعتماد على النفس في تأسيس ‏مدرسة ليلية للتحضير لشهادة البكالوريا ، وكان له الفضل على حصول عدد من الرواد على ‏الشهادة ، غير أنه سقط أيضا ضحية حسن النية إذ امتنع كثيرهم على أداء واجبات الدراسة ، ‏مما أغضبه وأحزنه فتخلص من هذه المدرسة .

ونظرا لعشقه لمهنة الإعلام . أسس مع صهره ‏محمد نجدي 1968 مجلة المغرب الفتي ولكنها ماتت في مهدها لأن المشهرين الداعمين كانوا ‏يهودا فرفض التعامل معهم لأن إسرائيل تحتل فلسطين ولا يقبل أن تعيش المجلة بمال اليهود

‏كل سلبيات هذه المحطات لم تثنه عن الاستثمار في الثقافة والإعلام ، حيث أنشأ مكتبة ‏جديدة سميت بمكتبة ” المبتدأ والخبر ” وهو الاسم الذي اختاره ابنه الأصغر علي ، وكان ‏افتتاحها بمناسبة الدخول المدرسي ، وبقيت إدارتها في يده ويد إخوته طامعين في أن يستريح ‏والدهم قليلا ، لعله يتفرغ لجريدته المنشأة 2006 باسم جريدة الشأن المحلي التي طواها ‏النسيان وخاصة عند جائحة كورونا وإصابة الوالد بعدواها فالتزم البيت رافضا أي تلقيح ، ‏مكتفيا بالاضطجاع طيلة اليوم ممسكا بكتابه قارئا لصفحاته إلى وقت متأخر وسط عائلته ، ‏وفي لحظة من يوم 18 غشت 2021 قام مناديا ، كفى سهرا . اتركوني أنام ، ونام نومته ‏الأبدية تاركا وراءه ذكرى توقظ في أحبائه وأصدقائه متعة مجالسته وحواره الجاد وكرهه لكل ‏كلام مخنوق ، وتاركا زلاغ دون مناجاة أو صوت يشهده على ما يجري من أحداث في فاس ‏التي افتقدت فيه صوتا إذاعيا مثقفا ورجلا وفيا للعلم ومجالسة العلماء وإلا فالأفضل مجالسة ‏أصدقاء بمقهى مجاور للبيت أو الانزواء.

الابن الذكر البكر الوحيد بين أخواته البنات الثلاث، ولد الأستاذ العصامي المغامر محمد الإدريسي سنة 1941 بمدينة فاس، في وسط محافظ مثقف ثقافة دينية، حيث كان والده فقيهاً يمتهن العدلية، وكان بيته ملتقى العلماء، ويتوفر على خزانة زاخرة بالمخطوطات وأمهات الكتب، موضوعة رهن إشارة كل ذي مقصد علمي وفقهي.

وفي هذا الوسط عاش وتربى محمد، قليل الاختلاط بالرفاق، ويحظى من الأب بعناية خاصة، بدأت من تعليمه بالبيت، قبل أن يأخذه صحبته إلى حلقات دروس القرويين، ومنها إلى المسيد عند الفقيه السي بوشتى. ولم يطق هذا الفضاء، فألحقه والده بالمدرسة الحسنية، ولم يمكث فيها سوى أيام، لكنه استقر في مدرسة الحركة الوطنية ابن عبد الله، أو مدرسة الأميرة عائشة فيما بعد.

وحرص والده، موازاة مع ذلك، على تحفيظه المتون وقواعد النحو وإتقان القراءة في فضاء البيت، إلى أن حصل المغرب على الاستقلال، فخول له مستواه المعرفي أن يلتحق بثانوية شراردة التابعة للقرويين. وكان يصطدم مع بعض الأساتذة، على اعتبار أن ما يذخره من معارف أوفر مما يتلقاه، فغادر المؤسسة بمستوى الثانية ثانوي.

وفي الوقت الذي كانت فيه الإذاعة تبحث عن موظفين مكونين تكويناً عربياً متيناً، أسند مديرها المهدي المنجرة مهمة اختيار كفاءات من طلبة القرويين للإذاعي أحمد ريان، وكان من بين الممتحنين الذين وقع عليهم الاختيار أحمد الأزمي ومحمد الإدريسي، وهو في سن 16 من عمره، وذلك سنة 1960.

فكُلّف بخزانة الإذاعة الوطنية بالرباط، بادئاً تجربته الإعلامية فيها بتلخيص الكتب. فإذا طلب أحدهم كتاباً، زوده بملخصه الدقيق حفاظاً على الكتب من الضياع. وأعجب أغلبية رواد المكتبة بالفكرة.

وفي هذه الأجواء، كوّن صداقات وعاشر فعاليات ثقافية من أمثال عبد الجبار السحيمي، وعبد الرفيع الجواهري، وعلي الحداني، ثم المرحوم الرفاعي. فمكّنه هذا الاحتكاك من الاقتدار والطموح إلى إصدار مجلة «الطريق» رفقة أديب السلاوي.
لكن المجلة لم تعمر طويلاً بفعل المضايقات ونشر مقالات جريئة أيام وزير الداخلية يومها أوفقير. وتقرر اعتقال الإدريسي، لولا أن كان هناك خطأ في العنوان، حيث اعتُقل بفاس إدريسي آخر، وأُطلق سراحه بعد اكتشاف الخطأ، لتتحول عقوبة الاعتقال إلى إبعاده من إذاعة الرباط، فقيل إنه نُفي منها إلى إذاعة فاس الجهوية.
وفي إذاعة فاس نشط أفضل، والتقى بزميله الراحل أحمد الأزمي، الشاعر الزجال الذي تعرض لمثل تلك المضايقات في إذاعة الرباط، وأودت به إلى الاعتقال، ثم تحول الاعتقال إلى نفي لإذاعة فاس كذلك.

وعاشت الإذاعة الجهوية عصرها الذهبي بإنتاج برامج متميزة ثقافية ورياضية واجتماعية، على عهد مديرها العابد السودي القرشي. وكان منها للإدريسي برنامج إذاعي ثقافي يذاع وطنياً وجهوياً بعنوان «وحرر بفاس»، حيث كان يعمل على تقديم كتاب أو تحليله بصوته المتميز وعربيته الفصيحة.

وإذا استقبل أديباً أو موسيقياً أو سياسياً أو رياضياً، وطلب منه الاطلاع على الأسئلة مسبقاً، يرفض ذلك، وقد يحرج الضيف على الأثير، فكان كثير منهم يتحاشون المشاركة في برنامجه.

يقول كثير ممن عرفوه إنه كان ضد نفسه، لأن آخر ما يفكر فيه هو شخصه وحاجياته. فإذا كان بيده كتاب فلا أكل ولا شرب ولا كلام. وإذا أبرم عقداً لا يكترث لبنوده، وكم كان ضحية لليونة مواقفه.
ويذكرون عنه أنه حوّل معملاً لصناعة الذهب إلى فضاء «كتاب من ذهب»، يوم إنشائه مكتبة «الفكر الرائد» شراكة مع أستاذين سوريين، متخلياً عن مكتبة صغيرة قبالة مقر الإذاعة بفاس، لم تدم سوى سنة، وكان قد اختار لها اسم «مكتبة الفكر المعاصر» سنة 1969.

وأظهر له الشريكان، تفضيلاً على نفسيهما، بأن يكون صاحب حق صرف وإصدار الشيكات في معاملات اقتناء الكتب النفيسة. وبخلفية الغدر، أوقعاه في إصدار شيكات بدون رصيد، فتحمل عبء الأداء، بل وتم اعتقاله، لتتحرك الأسرة وبعض الأصدقاء لإخراجه من ورطته، وصودرت المكتبة.

لكنه استفاد من هذه الواقعة بالاعتماد على النفس، في تأسيس مدرسة ليلية للتحضير لشهادة البكالوريا، وكان له الفضل في حصول عدد من الرواد على الشهادة. غير أنه سقط أيضاً ضحية حسن النية، إذ امتنع كثير منهم عن أداء واجبات الدراسة، مما أغضبه وأحزنه، فتخلص من هذه المدرسة.

ونظراً لعشقه لمهنة الإعلام، أسس مع صهره محمد نجدي، سنة 1968، مجلة «المغرب الفتي»، لكنها ماتت في مهدها، لأن المشهرين الداعمين كانوا يهوداً، فرفض التعامل معهم، لأن إسرائيل تحتل فلسطين، ولا يقبل أن تعيش المجلة بمال اليهود.

كل سلبيات هذه المحطات لم تثنه عن الاستثمار في الثقافة والإعلام، حيث أنشأ مكتبة جديدة سميت بمكتبة «المبتدأ والخبر»، وهو الاسم الذي اختاره ابنه الأصغر علي.

وكان افتتاحها بمناسبة الدخول المدرسي، وبقيت إدارتها في يده ويد إخوته، طامعين في أن يستريح والدهم قليلاً، لعله يتفرغ لجريدته المنشأة سنة 2006 باسم «جريدة الشأن المحلي»، التي طواها النسيان، وخاصة عند جائحة كورونا وإصابة الوالد بعدواها.

فالتزم البيت، رافضاً أي تلقيح، مكتفياً بالاضطجاع طيلة اليوم، ممسكاً بكتابه، قارئاً لصفحاته إلى وقت متأخر، وسط عائلته.
وفي لحظة من يوم 18 غشت 2021، قام منادياً: «كفى سهراً، اتركوني أنام»، ونام نومته الأبدية، تاركاً وراءه ذكرى توقظ في أحبائه وأصدقائه متعة مجالسته وحواره الجاد، وكرهه لكل كلام مخنوق.

وتاركاً زلاغ دون مناجاة أو صوت يشهده على ما يجري من أحداث في فاس، التي افتقدت فيه صوتاً إذاعياً مثقفاً ورجلاً وفياً للعلم ومجالسة العلماء، وإلا فالأفضل مجالسة أصدقاء بمقهى مجاور للبيت أو الانزواء.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...