المشهد تيفي قناة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

الحياة المدرسية والتباس المفهوم

ذ/عبد العزيز السيدي

يشرفنا في قناة ”المشهد TV” أن نقترح عليكم من خلال صفحة مباحث في التربية بعضا من مداخلات نخبة من الأساتذة المغاربة الذين راكموا تجارب وازنة في حقل التربية والتكوين.

(مداخلة للأستاذ/ عبد العزيز السيدي)

  • بطاقة تعريفية للأستاذ عبد العزيز السيدي :
-أستاذ مكون بسلكي الإدارة التربوية وأطر الدعم وسلك التأهيل

-مدير مساعد مكلف بتدبير سلك تكوين اطر الإدارة التربوية سابقا بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش اسفي/المقر الرئيس مراكش

-فاعل جمعوي وخبير في مجال الحياة المدرسية ومشروع المؤسسة

-أكثر من عشرين سنة كأستاذ مكون بمراكز التكوين المركز التربوي الجهوي سابقا (CPR) والمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمراكش حاليا (CRMEF).

* المفهوم الجديد لتدبير الحياة المدرسية من خلال الحديث عن : – الأطر المرجعية ودورها في توحيد زاوية التدخل-

بعد صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 2000 وبعده الكتاب الأبيض وما تلاه من مذكرات تنظيمية ودلائل بيداغوجية وتوجيهية ومنهجية ، تم تغيير المنهاج التربوي المغربي ، من المفهوم الضيّق التقليدي الـذي اقتصرت أهـدافه على تحقيق النمـوّ المعرفي، مـن خلال المقرّرات الـدراسية إلى المفهـوم الـواسع والحديـث الـذي يتضمّن– حسب النظرية التربوية الحديثة – كلّ الخبرات التي تقدم للمتعلّم والتي ترتكز على النظرية البنائية والسوسيوبنائية من جهة والكفايات كمقاربة لتدبير العملية التعليمية التعلمية من جهة أخرى .

فبتغيير المنهاج التربوي، تصبح الأنشطة المدرسية خاصة والحياة المدرسية عامة ركيزة أساسية ودعامة قوية من دعائم المنهاج الجديد، بما يحقق أهداف العملية التعليمية التعلمية في المراحل الدراسية المختلفة بجميع انشطتها (الصفية (القسم) والمندمجة (المؤسسة ) والداعمة (المحيط )) .

الحياة المدرسية: (التباس المدخل المفاهيمي وغياب التدبير البيداغوجي)
نسمع كثيرًا عن مصطلح (الأنشطة الموازية)، وهو مصطلح يوحي بأن هناك أنشطة مدرسية لا ترتبط بالمنهاج …
كما أن مصطلح (الأنشطة الموازية) يعطي انطباعًا بعدم أهميتها، مما ينعكس سلبًا على نظرة المدرسين (ات) والمتعلمين(ات) تجاهها، كما أنه يتنافى مع تعريف دائرة المعارف الأمريكية (EncyclopediaofAmericanEducation, 1992 في تعريفها للنشاط المدرسي حيث عرفته :
“بأنه يتمثل في البرامج التي تنفذ بإشراف وتوجيه المدرسة، والتي تتناول كل ما يتصل بالحياة الدراسية وأنشطتها المختلفة، ذات الارتباط بالمواد الدراسية، أو الجوانب الاجتماعية والبيئية، أو الأندية ذات الاهتمامات الخاصة بالنواحي العملية، أو العلمية، أو الرياضية، أو الموسيقية، أو المسرحية، أو المطبوعات”

والتعريف أعلاه يتماشى مع ما ورد في دليل الحياة المدرسية 2008 حيث تم تعريف الحياة المدرسية بما يلي:
” مناخ وظيفي مندمج في مكونات العمل المدرسي، ينبغي التحكم فيه ضمانا لتوفير مناخ سليم وايجابي يساعد المتعلمين على التعلم واكتساب قيم وسلوكيات بناءة. وتتشكل هذه الحياة من مجموع العناصر المكونة للخدمات التكوينية والتعليمية التي تقدمها المؤسسة بما في ذلك العناصر الزمانية والمكانية، والتنظيمية والعلائقية والتواصلية والثقافية، والتنشيطية التي تقدمها المؤسسة للتلاميذ….”

لذا يمكن اعتبار المقاربة المنهاجية لتنظيم وهندسة المنظومة التربوية والتعليمية من المقاربات التربوية الحديثة التي حاولت تجاوز ثغرات وسلبيات المقاربة التقليدية المتمركزة على المحتويات والمضامين الدراسية؛ (النظرية المعرفية والنظرية السلوكية)
ففي الاصطلاح التربوي يمكن تعريف المنهاج عموما بأنه نسَق تعليمي شامل، حلقاته مُترابطة ومتكاملة فيما بينها، ومتسلسلة بشكل منطقي، يُشتقُّ بعضها مِن بعض في سياق تَنطلِق مكوناته من الكل إلى الجزء؛ حيث تُحدَّد في البداية حاجيات المجتمع مِن المؤسَّسة التعليمية، يلي ذلك الغايات، التي تمثِّل الاختيارات والتوجُّهات التربوية العامة، ثم بعد ذلك المرامي؛ أي: تحديد المواصفات المُنتظَرة للمُتعلِّمين المُتخرِّجين، مِن خلال تكوينهم تكوينًا يَستجيب للغايات التربوية والحاجيات الاجتماعية المرسومة، وذلك وَفق تخطيط منهجي مضبوط، قصد تحديد الكفايات والمهارات والقدرات العامَّة المُستهدَفة، وكذا الوسائل الديداكتيكية لاكتسابها وجرأتها في مختلف الأنشطة المدرسية وتحديد ومعايير ومؤشرات تقويمها.

وعليه فإن ما يرتبط بالمدرسة يدور أساسا حول عنصرين اثنين (المدرس(ة) والمتعلم(ة)):

⦁ كيفية جعل المدرس(ة) مساهما في أنشطة الحياة المدرسية ومنخرطا في مشروع المؤسسة.
⦁ كيفية جعل المتعلم يعيش الحياة المدرسية وينخرط فيها ويستفيد من مخرجاتها.

يحيلنا التحليل السابق على المفهوم المتكامل الذي يجعل من أنشطة الحياة المدرسية أنشطة منهجية لا موازية. …وبالرجوع إلى الأطر المرجعية لمنظومة التربية والتعليم والتكوين والتي تعد الحياة المدرسية عمودها الفقري يمكن الإشارة إلى أهم المفاهيم والأهداف والأدوار والمقومات الخاصة بالحياة المدرسية وانشطتها..

-أ- مفهوم الحياة المدرسية يمكن اجماله بناء على ما سبق :
⦁ صورة مصغرة للحياة الاجتماعية
⦁ في أماكن وأوقات مخصصة للتنشئة الشاملة لشخصية المتعلم
⦁ بواسطة أنشطة تفاعلية متنوعة
⦁ تشرف عليها هيئة التدريس والإدارة، ويساهم فيها مختلف الشركاء

-ب- اهداف الحياة المدرسية :
– تروم تحقيق تربية أساسها تعدد الأبعاد والأساليب والمقاربات والمساهمين
– في إطار رؤية شمولية و توافقية بين جميع الفاعلين و المتدخلين في المنظومة التربوية على مستوى المؤسسة.
– بانفتاح على محيطها الخارجي باعتباره امتدادا طبيعيا لها يسهم إلى جانبها في التنشئة التربوية والاجتماعية ، وتحقيق المواصفات المحددة في المناهج

ث- أدوار الحياة المدرسية:
– مدرسة مفعمة بالحياة بفضل :
“نهج تربوي نشيط يتجاوز التلقي السلبي، والعمل الفردي / ويعتمد التعلم الذاتي والقدرة على الحوار، والمشاركة في الاجتهاد الجماعي.”
– مدرسة مفتوحة على محيطها بفضل :
نهج تربوي قوامة استحضار المجتمع في قلب المؤسسة.
الخروج إليه منها بكل ما يعود بالنفع على الوطن
تشيع علاقات جديدة بين المدرسة وفضائها البيئي والمجتمعي والثقافي والاقتصادي.

ج: مطالب بلوغ أهداف المدرسة المغربية الجديدة:
– جرد مختلف الأنشطة التربوية والتعليمية، وتثمين كل ما له ارتباط مباشر بالمهارات الحياتية؛
– تحديد أدوار مختلف الفاعلين والشركاء المنخرطين في الحياة المدرسية؛
– وضع آليات ملائمة لتفعيل الحياة المدرسية وتقويمها؛

ح : مقومات الحياة المدرسية:
– إعمال الفكر، والقدرة على الفهم و التحليل والنقاش الحر، وإبداء الرأي، واحترام الرأي الآخر؛
– التربية على الممارسة الديمقراطية وتكريس النهج الديمقراطي؛
– ضمان النمو المتوازي عقليا، ونفسيا، ووجدانيا، وحس حركيا؛
– تنمية الكفايات والمهارات والقدرات، وبناء المشاريع الشخصية
– تكريس المظاهر السلوكية الإيجابية، والتحلي بحسن السلوك أثناء التعامل مع كل الفاعلين في الحياة المدرسية.
– الاستمتاع بحياة المتعلم (ة)، وبالحق في عيش مراحل الطفولة والمراهقة والشباب، من خلال المشاركة الفاعلة في مختلف أنشطة الحياة المدرسية وتدبيرها؛
– جعل المتعلم (ة) في قلب الاهتمام والتفكير والفعل.
– جعل المدرسة فضاء خصبا يساعد على تحرير الطاقات الإبداعية، واكتساب المواهب في مختلف المجالات.
– تنشيط المؤسسة ثقافيا وعلميا ورياضيا وفنيا وإعلاميا من خلال مختلف الأنشطة والتظاهرات الثقافية والرياضية.؛
– جعل الحياة المدرسية عامة، والعمل اليومي للمتعلم(ة) خاصة، مجالا للإقبال على متعة التحصيل الجاد.
– الاعتناء بكل فضاءات وتجهيزات المؤسسة وجعلها قطبا جذابا، وفضاء مريحا
– اعتماد المقاربة التشاركية، ومقاربتي الجودة والتقييم؛
– اعتماد التدبير بالنتائج والتدبير بالمشاريع
– انفتاح المؤسسة على محيطها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي،…

ثانيا : أنشطة الحياة المدرسية: (الخصائص، والأهداف، وطرق الإنجاز، والتفعيل) :

-أ – أنشطة الحياة المدرسية :
⦁ أنشطة صفية: وهي الأنشطة الموزعة حسب المواد الدراسية، تنجز من طرف مدرسي المادة في وضعيات تعليمية معتادة داخل الحجرة الدراسية وفي بعض الحالات التطبيقية تكون خارج الفصل (المختبر مثلا).
⦁ أنشطة مندمجة: وهي أنشطة تتكامل مع الأنشطة الفصلية بفضل مقاربة التدريس بالكفايات يشارك في تأطيرها متدخلون مختلفون (الأستاذ او الإداري أو أحد الشركاء أو الفاعليين المجتمعيين) وتسعى إلى تحقيق أهداف المنهاج، وتعطي هامشا أكبر للمبادرات الفردية والجماعية التي تهتم أ بالواقع المحلي والجهوي، والتعلم الذاتي

⦁ أنشطة داعمة:
أنشطة تندرج في إطار البحوث الميدانية، الخرجات، الرحلات، استطلاعات استقصاء الرأي، المشاركات في التظاهرات الثقافية والرياضية والعلمية وكل عمل مرتبط بالتضامن والتكافل الاجتماعي كأنشطة الدعم النفسي والاجتماعي بدعم من مؤطرين متخصصين (أباء، هيئات أطباء ومؤسسات متخصصة ……)
الخلاصة:

يتبين لنا ان هذه المقاربة سعت لتحقيق النقلة من حياة مدرسية حبيسة الوثائق ومتسمة بالانغلاق وتلقين المعارف وحشو الرؤوس بالأفكار ومحتويات المقررات والبرامج السنوية، وإهمال التنشيط المدرسي، إلى حياة مدرسية متسمة بالتنشيط والعمل الجماعي يتوفر فيها المناخ التعليمي/ التعلمي، القائم على مبادئ المساواة والديمقراطية والمواطنة ، حياة مدرسية متميزة بالفعالية والنجاعة والحرية والاندماج الاجتماعي ، تثير في المتعلم مواهبه وتخدم ميولاته السيكولوجية وتكون شخصيته وتنشطها نشاطا تلقائيا وحرا في وسط اجتماعي قائم على التعاون والاشراك والتعاقد ، لا على الإخضاع والنمطية….

وبهذا نستنتج أن الحياة المدرسية ليست أنشطة موازية أو غير أساسية، بل هي أنشطة منهجية ومجال أساسي لتطور الذات ولنموها المعرفي والمهاري والقيمي، وهذا ليس موقفا يطرح من باب المزايدة أو المرافعة العاطفية، بل إنها الحقيقة العلمية بكل بساطة، كل ما هنالك، أن جل المعنيين بالمدرسة، ينطلقون من:
⦁ تمثلات خاطئة وبعيدة عن مدخلات المنهاج التربوي كما حددناه سابقا.،
⦁ أحكام جاهزة في التعامل مع أنشطة الحياة المدرسية في شقيها المندمج والداعم بمنظومة التربية والتعليم،
⦁ لا يستندون على أية مرجعية معرفية وفلسفية.

إن المنطق والاختيار البيداغوجي الذي تتبناه منظومة التربية والتعليم والتكوين، هو الذي يكرس هذا الواقع المختل ويعزز هذه الأحكام غير العلمية، من خلال عدد المعاملات وساعات التدريس المرتكزة على المواد الصفية أو مواد التخصص ونظام التقويم. إنه واقع ينبغي أن يصحح مع ضرورة التفكير في إدماج الأنشطة المندمجة وخصوصا الأندية التربوية…. في الزمن المدرسي وتكريس أهميتها من خلال منظومة التقييم باعتبارها أنشطة منهجية تنقسم الى أنشطة صفية ومندمجة وداعمة وتدخل في صلب المنهاج التربوي المغربي الحديث.

إن من أهم الأمور المعول عليها في تطوير خدمات المدرسة والرقي بها إلى المدرسة المنشودة عملية تفعيل الحياة المدرسية و تنشيطها، وذلك من منطلق أن الحياة المدرسية تعتبر جوهر الإصلاح الذي يمس عمليات التربية والتكوين، كما تعد إطار منهجيا يوفر مناخا تربويا و اجتماعيا يحقق التنشئة المتكاملة والمتوازنة، من خلال إكساب المتعلمين والمتعلمات الكفايات والقيم التي تؤهلهم للاندماج الفعال في الحياة، وجعلها تأخذ طابعا عمليا وإجرائيا من خلال وضعيات مدرسية ترسخ السلوك المواطن واحترام التنوع الثقافي والاختلاف في الرأي، والممارسة الديمقراطية، واتخاذ المبادرات و القرارات . وهو ما سيجعل أنشطة الحياة المدرسية تلعب دورا مهما في تحسين جودة التعلمات وتبرز أهميتها من خلال:

أثرها في تكوين شخصية المتعلم(ة) وتنمية مهاراته وكفاياته وتنويع أنماط وأساليب التعلم.
وبذلك ستكتسي سمات الحداثة والجودة والانفتاح والتواصل والشراكة والإبداع والخلق، يشارك فيها المتدخلون والفاعلون، سواء أ كانوا ينتمون إلى النسق التربوي أو نسق المحيط السوسيو اقتصادي والاجتماعي وذلك بهدف نقل المتعلم(ة) من حياة المدرسة إلى مدرسة الحياة.

لذا فإن مفهوم الحياة المدرسية وتفعيلها وتنشيطها يستوجب عناية كبيرة من كل الفاعلين التربويين نظرا لأهميتها البالغة داخل المؤسسة المدرسية، لما لها من أثر على شخصية المتعلم(ة)، ولكونها تضفي طابعا حيويا وفعالا على مسارات التعلم وبناء الكفايات المستهدفة.

إن جميع المباحث التي خاضت في مسألة كفايات الحياة المدرسية تعتبر أن هذه الكفايات منطلق أساس لتأهيل الأفراد لامتلاك القدرات التي تؤهلهم للعيش في محيطهم في توازن، ومواجهة الصعوبات التي يصادفونها في الحياة. وقد برز هذا التوجه في التربية من منطلق أن كل عمل تربوي ينبغي أن يسلح الناشئة بقدرات على مواجهة حياة اجتماعية دائمة التغير.

وفي هذا الاطار وتماشيا مع مختلف الأطر المرجعية للإصلاح وجب على المسؤولين المركزيين والجهويين والاقليميين تعزيز آليات تفعيل الحياة المدرسية بدعم المؤسسات التعليمية، وتوسيع صلاحيتها في تدبير شؤونها العامة والتربوية وتحفيز مختلف الأطر التعليمية والإدارية من أجل انخراطها في بلورة وإنجاز الأنشطة المدرسية وإشراك التلاميذ(ات) عبر مجلسهم (ن) والشركاء عبر جمعيات الآباء وجماعات محلية وجمعيات مدنية، خصوصا في ضوء التجديد الذي تعرفه المدرسة المغربية، و انطلاقا من المبادئ المعلن عنها في الميثاق الوطني للتربية والتكوين مع صيغ تفعيل مقاربة المؤسسة داخل المجتمع والمجتمع في قلب المؤسسة.

وبذلك فان مفهوم الحياة المدرسة مفهوم أشمل وأعمق من كونها أنشطة موازية، فهذا مفهوم يجب القطع معه واستبداله بمفهوم الأنشطة المنهجية باعتبار الحياة المدرسية صورة مصغرة للحياة الاجتماعية في أماكن وأوقات مخصصة للتنشئة الشاملة لشخصية المتعلم بواسطة أنشطة تفاعلية متنوعة منها الصفية والمندمجة والداعمة لتدبير الحياة المدرسية، اعتمادا على مقاربة نسقية مندمجة تخدم مصلحة المتعلمين (ات) داخل كل فضاءات التكوين الثلاثة: القسم والمؤسسة والمحيط”.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...