المشهد تيفي قناة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

محسن بن زاكور: النضج الفكري يلعب دورا مهما في الحفاظ على العلاقة الزوجية

المشهد TV سمية آيت عبو

إن واحدة من أكثر المشكلات تفاقما داخل المجتمع المغربي، هي إرتفاع نسب الطلاق التي باثت مقلقة، حيث تزداد سنة بعد سنة.

فالطلاق يشكل ظاهرة إجتماعية تتسارع في تأثيرها على مجتمعات مختلفة، وترتبط بأسباب جوهرية تنبع من التحولات الثقافية والاقتصادية للمجتمع، فالمغرب يسجل حوالي 800 حالة طلاق بشكل يومي، حيث إن أغلبها حالات طلاق اتفاقي والذي بلغ نسبة 80 % وذلك بحسب التصريحات السابقة لوزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة في المغرب عواطف حيار.

وقد أظهرت وثيقة المؤشرات الاجتماعية للمغرب لعام 2023 بيانات رقمية حول وضع الفرد المغربي، حيث تمثل هذه الوثيقة، النشر الرسمي للمندوبية السامية للتخطيط وتتميز باعتبارها أعلى هيئة إحصائية في المغرب.

تتناول الوثيقة في جزء منها، مؤشرات تتعلق بحالات الزواج والطلاق في المملكة، ووفقا لآخر إصدار، فقد شهد المغرب 26.9 ألف حكم طلاق في عام 2021، في حين كانت حالات الطلاق في عام 2020، أي خلال فترة انتشار جائحة كورونا، تبلغ 20 ألف حالة فقط، وفي عام 2019، الذي كان قبل الجائحة، سجلت 27.1 ألف حالة طلاق.

وتشير إحصائيات وزارة العدل المغربية إلى تسجيل 20,372 حالة طلاق في المحاكم الاستئنافية لعام 2023، بينما سجلت 68,995 قضية طلاق في المحاكم الابتدائية، أما الطلاق الاتفاقي، فقد بلغ عدد حالاته 24,257، وسجلت 6,611 حالة خلع.
ويمكن القول إن هذا الارتفاع يعود إلى غياب الوعي الكافي بأهمية التحسيس بالمسؤولية المشتركة للزوجين من أجل الحفاظ على رابط الزواج إذ يتطلب ذلك تحليلا عميقا للأسباب التي تقف وراء انحلال ميثاق الزوجية.

فالزواج يفتح أبواب السعادة والتفاؤل، بحياة يسودها الود والتفاهم مع شريك اخترته واختارك لإكمال درب الحياة معا، لكن أحيانا تستلزم الظروف لإتخاد قرارات صعبة كالطلاق، إذا فما هي هذه الأسباب التي تدفع الطرفين باتخاد قرار إنهاء هذا الرابط المقدس؟ ومن المتضرر الأكبر من هذا القرار؟

من الأسباب الرئيسية في اتخاذ قرار الطلاق خاصة بين الأزواج الحديثي العهد، هي الاضطرابات النفسية، منها فشل التوافق الشخصي فهو يعتبر أحد الأسباب الرئيسية، حيث يكون الانعدام في فهم الحاجيات والتطلعات المتبادلة سببا مهما لانهيار العلاقة الزوجية، ولا سيما إن كان زواجا غير تقليدي (عن حب) إذ تكون التمثلات عند الطرفين قبل الزواج هي الطاغية على تصورات أحد الطرفين إن لم يكن كلاهما، ليقفا بعد ذلك على الصورة الحقيقية لكل منهما، لبدأ صراع اللوم بين الطرفين فهكذا كانت قصة “خديجة” فتاة في العشرينيات من عمرها تقول إنها كانت تظن أن زواجها المبني على علاقة حب قبل الزواج سيكون ناجحا لا محالة، لكنها صُدمت بالواقع أي أن الحياة الزوجية كانت مختلفة عن تصوراتها الوردية التي كانت دائما تتخيلها و هذا ما سبب لها صراعا نفسيا و عدم تقبل الشريك مما دفعها لإنهاء الزواج مبررةً ذلك بأنها لم تجد في شريكها ما كانت تنتظره.

وفي هذا السياق يقول الأستاذ محسن ابن زاكور، أستاذ علم النفس الاجتماعي أن الإشكالية تعود بالأساس لعدم الحديث والاتفاق حول كيف يجب أن تكون العلاقة بين الطرفين، وقد أضاف مفسرا الأستاذ بن زاكور، بأن حسب علم النفس الاجتماعي فإن هذا النوع من عدم التوافق يكون ناتجا عن التمثلات التي تكون سببا غير مباشر في الطلاق وتعني أن كل طرف من الأطراف قد يأتي بأفكار معينة حول الزواج، قد تكون حسب تصور الطرف تتوافق مع إحتياجاته التي يفتقدها الإنسان في حياته مثلا كالأب أو الأم أو قد تكون هذه الأفكار عبارة عن أطماع لكنها تبقى فقط حبيسة الخيال دون مشاركتها مع الطرف الآخر، وهنا تقع المشكلة، حيث أن المرحلة التي تسبق الزواج تكون زاخرة بالغرميات لكن يغيب عنها كل ما له علاقة بالاتفاق و الحديث عن كيفية تسيير العلاقة الزوجية، وبالتالي، عندما يتحول الشاب و الشابة من حياة العزوبية إلى الحياة الجماعية بمعنى الزواج، هنا يظهر عدم التوافق نتيجة عدم ظبط العلاقة قبل الزواج، وبالتالي تكون هذه التمثلات المنفصلة سبب في الاختلاف و كلما كان الاختلاف قويا كلما كانت نسبة الطلاق مرتفعة.

وفي سؤال أخر للأستاذ بن زاكور، حول الطلاق في الأشهر الأولى من الزواج، حيث يبقى التساؤل، ما الذي يفسر ذلك هل يعود الأمر لعدم الاختيار الموفق لشريك، أو تخوف من العنوسة وهذا لا يقتصر على النساء فقط بل وحتى الرجال، مما ينتج عنه ضغط ممارس من طرف المجتمع وتنامي مشاعر الكبت العاطفي وكذا الكبت المادي بالإضافة للكبت الجنسي، لتكون نتيجة هذه الضغوطات هي التسرع في الزواج دون إعمال للعقل والنظر إلى مدى ملاءمة هذا الشريك كزوج يمكن إنجاح الزواج معه، أي عدم الاتزان في الاختيار الذي يترتب عليه تداعيات سلبية لا تمس الفرد فقط بل تطال المجتمع ككل وبهذا الخصوص قدم الأستاذ محسن ابن زاكور، تفسيرا حول هذه النقطة حيث قال إن الأمر يعود كما ذكرنا سابقا للتمثلات التي تنشأ عند الطرفين، وكذلك راجع لتغير القيم بين الأجيال القديمة والجيل الحديث حول مفهوم الذات، إذ أن الشباب اليوم يتصورون بأن محور العالم يتمركز حول الذات، في حين أن مؤسسة الزواج هي أكبر من ذلك فهي مسؤولية و تضحية من أجل إنشاء أسرة مستقرة.

وأضاف بن زاكور، أن السبب كذلك راجع إلى تسرع الشباب في إتخاد القرارات، وأوضح أن هذا الأمر ليس له علاقة بالمرحلة العمرية لأن هذه الأخيرة هي فقط للإشارة للأغلبية السائدة من السلوكات في هذه المرحلة، وإن الأمر يعود بالأساس للنضج الفكري حيث أن هناك العديد من الشباب في أعمار صغيرة و يتمتعون بنضج فكري في حين أن هناك العكس بنسبة لأشخاص هم أكبر سنا، وأضاف قائلا بأن أهم ما جعل تنامي التمركز بشكل كبير حول الذات يعود للتأثير الكبير للمجتمع الاستهلاكي، فكل ما يحوم حول الشباب اليوم لا يزكي القضايا بقدر ما يزكي فكرة التمركز حول الذات بحيث أن تغير القيم يجعل من الزواج، زواجا مبنيا على الاستهلاك بمعنى مجرد إنتهاء ما يمكن لطرف إستهلاكه من الطرف الآخر هنا يلجأ إلى الطلاق.

أما من الناحية القانونية فإن قانون مدونة الأسرة الصادر سنة 2004، لم يأت بما يكفي من البنود الكفيلة بحماية حقوق النساء والفتيات، خاصة عندما يتعلق الأمربالحد الأدنى لسن الزواج، وتعدد الزوجات، وتوزيع الممتلكات وهذا ايضا من الاسباب المهمة في ارتفاع نسب الطلاق بالمغرب وفي هذا الإطار ، قامت الحكومة المغربية باتخاذ إجراءات حازمة لمعالجة هذه المشكلة، وذلك من خلال العمل على مقترح تعديل مدونة الأسرة المغربية.

تتضمن هذه المدونة مجموعة من القوانين التي تهدف إلى تقليل نسبة الطلاق والحفاظ على استقرار الأسرة المغربية، رغم أن قوانين مدونة الأسرة تمتص جذورها من منتصف القرن الماضي، إلا أنها ستشهد تعديلات جوهرية.

في البداية، كانت تستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية، ولكن مع تقدم المجتمع، اعتمدت المدونة تدريجيا أحكاما مستمدة من المدرسة الفرنسية، إلى جانب الاحترام لأحكام الدين الإسلامي، لتتكيف بشكل أفضل مع .التطورات الاجتماعية الحديثة
أحد أبرز المقترحات التي طرحت تتعلق بإجراءات الطلاق، بالإضافة إلى التركيز على قضية زواج القاصرات حيث تم تطبيق هذه القرارات وفقًا لقانون رقم 70:03، الصادر بتنفيذه الظهير رقم 22.04 في 03/02/04، ليتجلى لنا ملامح المقترحات الجديدة في

مدونة الأسرة المغربية ومنها :
المساواة الزوجية: تحديد سن الزواج القانوني للطرفين عند 18 سنة.
إجراءات الطلاق: يتم بإشراف السلطات القضائية.
حقوق المرأة: عدم فرض وصاية أو حجر على النساء العاقلات الراشدات.
الحقوق بعد الطلاق: إمكانية الزوجة المطلقة استفادة من أموال الزوج المكتسبة وفقًا لقانون الطلاق في المغرب 2023.
رعاية وتطوير الأسرة: مسؤولية مشتركة بين الزوجين.
توازن الأسرة: إجراء الزواج المدني بإشراف الجالية المغربية في السلطات المحلية ببلد الإقامة، وتقديم النيابة العامة لدور أساسي في قضايا الأسرة.
حماية الطفل: اعتراف الزوج بالطفل المولود وتأمين وضعه الاجتماعي عند حدوث طلاق بين الزوجين

وبشكل عام، يظهر الطلاق في المغرب كنتيجة لتشابك أسباب متعددة، سواء كانت اجتماعية، اقتصادية، أو ثقافية، والتي تتعامل بتناغم مما يشكل تحديا كبيرا لاستقرار العلاقات الزوجية، من هذه النتائج نجد الانعزال الاجتماعي حيث يصاحب فقدان الشريك فقدان الثقة في العلاقات القادمة وكذلك تشتت الأسرة وفقدان الوحدة والتماسك وفقدان الأمان والاستقرار للأبناء، والثأتير السلبي على تطور الأطفال نفسياً واجتماعيا وخلق جيل متأثر سلبا بفقدان الرعاية والتربية السليمة، وإنحراف الأفراد نتيجة لفقدان الهوية والارتباط الاجتماعي.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...