المشهد تيفي قناة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

حينما تصبح محاربة التفاهة ترندًا على السوشيال ميديا

المشهدTVأسامة بشتاوي

 

لم يعد غريبًا في المغرب أن يخرج علينا كل يوم “منقذ” جديد، يرفع شعار محاربة التفاهة وكأنّه اكتشف لتوّه أن البلاد تحتاج إلى وصيّ أخلاقي جديد. فجأة صار الجميع أكثر غيرة على وعي المغاربة من المغاربة أنفسهم، وأكثر حرصًا على الفضيلة من الفضلاء الحقيقيين الذين يعملون بصمت.

لكن ما الذي يحدث فعلًا؟

لم تعد حملة “محاربة التفاهة” سوى موجة رائجة، بضاعة تُسوَّق ببراعة، وصكّ دخول إلى شهرة سريعة تُمنح لمن يصرخ أعلى لا لمن يفكّر أعمق. بعض من يتصدّرون المشهد اليوم لم يعرفهم الناس لا بكتاب ولا بفكرة ولا بإنجاز، بل عرفوهم فقط بادّعاء “الخبرة” والتنظير في كل شيء، وانتحال صفة الخبراء.

إن المفارقة مضحكة ومؤلمة في آنٍ واحد:

أولئك الذين يرفعون شعار محاربة التفاهة هم أنفسهم أكبر صانعيها، لأنهم يحوّلونها إلى محتوى مربح، وإلى سلّمٍ يصعدون به نحو الضوء. مسألة لا تتجاوز في جوهرها ركوبًا مكشوفًا على الموجة، واستثمارًا رخيصًا في غضب الجمهور وقلقه.

محاربة التفاهة ليست خطابًا شعبويًا ولا “ترندًا” يُستغل لملء القنوات. هي مشروع ثقافي طويل النفس، يتطلّب البديل قبل النقد، والعمل قبل الصراخ، والمحتوى قبل الشعارات. أمّا تحويلها إلى شعار فارغ، فليس سوى امتدادٍ للتفاهة نفسها، ولكن بثوبٍ أخلاقي مُحنَّط.

ولأنّ الموجات لا تدوم، ستبرد هذه الحمى كما بردت غيرها، وسينكشف سريعًا أن من يدّعون الدفاع عن الوعي لا يملكون سوى رغبة محمومة في البقاء في الواجهة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة التي يحاول البعض تجاهلها:
لا تُحارب التفاهة بخلق تفاهة أعلى صوتًا، بل ببناء وعي أعمق وأهدأ وأقوى.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...