المشهد تيفي قناة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

“قرية با محمد”من مجد الذاكرة إلى هامش النسيان.. حكاية قرية تنبض بالتاريخ وتُخنق بالإهمال

المشهدTVأشرف بغداد 

 

تلك القرية الصغيرة، وإن بدت نائية في الجغرافيا، فإنها تتوسّط ذاكرة الوطن، وتختزن بين دروبها وحقولها حكاية مجد خامد. في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، كانت هذه القرية فضاءً حيًّا نابضًا بالكرامة والوعي، ومثالًا نادرًا على التمدن القروي المتكئ على روح المقاومة والانفتاح. لم تكن مجرّد تجمع سكني، بل كانت نموذجًا مصغّرًا لمغرب يؤمن بالتحرر، ويصنع نخبه من صلب الأرض، لا من رفاه المدن.

لقد عرفت هذه القرية آنذاك نهضة فكرية وتربوية استثنائية، تمثّلت في وجود دار شباب نشطة، تُقام فيها أمسيات شعرية، وعروض مسرحية، وأنشطة تثقيفية كانت تُغذي وعي الناشئة وتفتح أعينهم على قضايا الأمة. أما مدرستها، فقد خرّجت أجيالًا من المثقفين الذين تلقّوا تعليمًا متينًا بلغتين، وامتلكوا من الرؤية والقدرة ما مكّنهم من تبوّء مواقع وازنة في الدولة. كثير من أبنائها أصبحوا قضاة، إداريين، أساتذة، وديبلوماسيين. بل إن بعضهم تقلد مناصب سامية في وزارة الداخلية، وآخرون برزوا داخل المؤسسة العسكرية والمخابرات، فكانوا جزءًا من النخبة التي ساهمت في بناء مؤسسات الدولة، وحماية سيادتها، وترسيخ دعائمها الأمنية.

في بُعدها السياسي، كانت القرية رحمًا للفكر المقاوم، تنبض بنقاشات تتجاوز حدودها الترابية، وتتفاعل مع الحركات التحررية في المغرب وفي العالم العربي. كثير من شبابها انخرطوا في صفوف الحركة الوطنية، وكانوا على تماس مباشر مع قضايا التحرر، والنضال، والكرامة. كانوا يُطاردون من أجل مواقفهم، ويُنفون أو يعيشون في السرية، ولكنهم ظلّوا يحملون الحلم بوطن عادل، حر، ومزدهر.

وما يعزّز هذه الصورة المتألقة، هو موقع القرية الجغرافي الفريد، فهي تتوسّط ثلاثة روافد مائية كبرى: وادي سبو، وادي ورغة، وسد الوحدة. هذا الامتداد الطبيعي منحها غنى زراعيًا ومائيًا هائلًا، ومؤهلات بيئية يمكن أن تجعل منها مركزًا للفلاحة المستدامة، والسياحة الإيكولوجية، وتنمية الاقتصاد القروي. ومع ذلك، فإن هذه الثروات الطبيعية ظلت غير مستثمرة، بل حُرم منها السكان، كما حُرموا من أبسط شروط العيش الكريم.

الطرق مهترئة، الخدمات الصحية غائبة، البنية التحتية متدهورة، والأنشطة الثقافية اندثرت. أُغلقت دار الشباب، وساد صمتٌ ثقيل مكان الحوارات، وانطفأت جذوة كانت تشتعل وعيًا. القرية، التي كانت بالأمس منارة في الهامش، تحوّلت اليوم إلى نقطة منسية، رغم ما أنجبته من كفاءات، وما راكمته من رصيد رمزي وإنساني.

هذه المفارقة الصارخة بين الإمكانات والواقع، بين الذاكرة والتهميش، تختزل عطبًا بنيويًا في السياسات العمومية التي ظلت لعقود تغفل القرى المنتجة، وتركّز التنمية في المراكز الحضرية على حساب العدالة المجالية.

ورغم كل ما سبق، فإن الأمل لم ينطفئ. فمثل هذه القرى، التي شكّلت رحمًا حيويًا للكفاءات الوطنية، قادرة على النهوض من جديد، إذا ما أُدرجت في صلب السياسات التنموية، وإذا ما استعيدت ذاكرتها الثقافية، وتُرجم تاريخها النضالي إلى مشاريع واقعية. فلا تنمية حقيقية دون إنصاف القرية، ولا وطن بدون عمق شعبي يبدأ من الهامش، ويحمل في صمته القدرة على التغيير.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...